الديمقراطية الإنتخابية وشرعية حكم العسكر في باكستان ..

0 507
كان لافتاً  فوز عضو مجلس الشيوخ الباكستاني المستقل مير محمد صادق سنجراني ، الأسبوع الماضي  بمقعد رئاسة المجلس بعد حصوله على 57 صوتاً من اصل 103 ، ليصبح بذلك أول رئيس لمجلس الشيوخ من إقليم بلوشستان المضطرب والذي يشكو ابنائه من الحرمان وتهميش الحكومة المركزية لهم على حساب إقليم البنجاب الذي يحظى بحصة الأسد من الموازنة العامة للبلاد .
كان لافتاً ؛ لأنه لم يكن من المتوقع أن يفوز عضو “بلوتشستاني”  مدعوم من  أحزاب المعارضة الباكستانية ، بالرئاسة ، لاسيما وأن  الحزب الحاكم (حزب نواز شريف) يحتفظ بأغلبية المقاعد في البرلمان، وهذا ما وضع إشارة إستفهام كبيرة على فوز العضو المذكور.
 لكن الأهم بتقديري يبقى وصول محمد صادق سنجراني(البلوتشستاني) إلى احد أعلى المناصب الدستورية في البلاد ، والذي بلا شك يوحي بنضوج ما في العملية السياسية في باكستان ، ويُعد نصراً للديمقراطية في بلد مثل باكستان يعيش تعقيدات إجتماعية وثقافية تاريخية منذ إنفصالها عن الهند سنة 1947.
  وبنفس السياق ، من الأهمية بمكان ملاحظة  نتيجة إنتخابات رئاسة مجلس الشيوخ من حيث ما يعني ذلك  بالنسبة  لأحزاب المعارضة التي نجحت في توجيه صفعة قوية لحزب نواز شريف الحاكم  ، ودلالتها السياسية إنتخابياً ، حيث أن البلاد ستشهد معركة إنتخابية حامية الوطيس بعد 3 أشهر من الآن ستحدد شكل وطبيعة الحكومة المُقبلة في اسلام آباد للسنين الخمسة الآتية، في ظل تظافر الجهود لإضعاف قدرة حزب الرابطة الإسلامية على الحكم وتقويض حملته الانتخابية ، لاسيما بعد نجاح قوى المعارضة بالخصوص حزب الشعب(بوتو) و حركة الإنصاف بزعامة لاعب الكريكت المشهور “عمران خان” بإستصدار  قرار من المحكمة العليا في اسلام آباد بعدم أهلية “نواز شريف” لرئاسة الحكومة في البداية ، وقيادة الحزب لاحقاً ، ما أضطره للتنحي عن رئاسة الحكومة لصالح شاهد عباسي (عضو حزب نواز شريف) في أغسطس 2017 ، والتنازل عن قيادة الحزب لصالح شقيقه شهباز شريف رئيس حكومة البنجاب معقل حزب الرابطة الإسلامية (نواز شريف) .
من جهة أخرى ، كشفت إنتخابات مجلس الشيوخ عن تحدٍ جديد-قديم تعيشه العملية السياسية في البلاد يتمثل بتدخلات المؤسسة العسكرية ، و إنتهازية مُقرفة تمارسها بعض الجماعات السياسية العلمانية والإسلامية على حدٍ سواء لترسيخ واقع تشرذم القوى السياسية وتفتيت الأحزاب الكبيرة من خلال تقسيم النخبة السياسية في باكستان لتقويض الدستور وسيادة القانون .
حيث كان واضحاً من نتيجة الإنتخابات أن  عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ المحسوبين على الحزب الحاكم صوّتوا ضد مرشح الحزب لرئاسة مجلس الشيوخ خلف الأبواب المغلقة لضمان فوز مرشح المعارضة في الانتخابات.
ففي أعقاب انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة ، اتهم الحزب الحاكم ، الذي يتعرض منذ فترة لضغوط هائلة من مؤسسات الدولة المختلفة على خلفية مواقفه من الملف الأفغاني و العلاقة مع الهند ، القوى التي وصفها ب”المناهضة للديمقراطية” في باكستان بعدم جديتها في تعزيز الديمقراطية الحقيقية في باكستان.
ظهر واضحاً من النتيجة غير المتوقعة لإنتخابات مجلس الشيوخ أن المؤسسة العسكرية تتقن جيداً إستعمال نفوذها ، وتأثيرها على النُخب و الجماعات السياسية والدينية بغية تشجيع بناء تحالفات سياسية معينة،فضلاً عن كونها لا توفر سبيلاً لتقويض أي تحدٍ جديد من الجانب المدني، كتحريضها لمختلف مؤسسات الدولة للتدخل بالشؤون السياسيةالداخلية كما حصل عندما تدخلت المؤسسة القضائية لإقصاء نواز شريف، ونجحت في ذلك إلى حين كتابةهذه السطور .
هذا ومن المتوقع أن يتكرر سيناريو إنتخابات مجلس الشيوخ في الإنتخابات البرلمانية المُقبلة ، لتشكيل طبقة حاكمة تنسجم مع أولويات المرحلة بالنسبة للمؤسسة العسكرية   التي بحسب المعلومات عازمة على إستمرار سياسة التدخل غير المباشر من خلال النُخب السياسية والجماعات الإسلامية في شؤون الدولة  لمنع القيادة السياسية من اكتساب سلطة فعالة في صنع القرار في الشؤون الأمنية والخارجية ما يفهم منه مراقبون  محدودية فرص الحزب الحاكم في المشاركة بالحكم في الحكومة المُقبلة فضلاً عن إعادة إنتاج أكثرية برلمانية تخوله التفرد بالحكم كما حصل في إنتخابات ايار/مايو 2013  .
هذا و يرى بعض الخبراء أن محاولات عزل  الحزب الحاكم سياسياً سببه محاولات رئيسه نواز شريف لإستعادة السيطرة على مفاصل الحكم في البلاد وشؤونها الخارجية. غير أن في ذلك تبسيط للمُشكل القائم بين نواز شريف والقيادة العسكرية، التي ما أثار حفيظتها هو منافسة نواز شريف المؤسسة العسكرية على حصص الإستثمار من مشروع الممر الإقتصادي الصيني-الباكستاني ، والذي يبلغ  إجمالي إستثمارته ب 46 مليار دولار أمريكي .
في الخلاصة ، ما يزال أمام باكستان سفر طويل في طريقها نحو الديمقراطية ، والكلام عن الديمقراطية الباكستانية يماثل إلى حدٍ بعيد الحديث عن الديمقراطية في الدول الأفريقية من وجوه عدة ، لعل أبرزها ما يطلق عليه الباحث الفرنسي، باتريك كانتين، “الديمقراطية الإنتخابية” ، بمعنى إقتصار الممارسة الديمقراطية للنظام الحاكم على إجراء الإنتخابات، هي إذاً ممارسة الحد الأدنى من الديمقراطية، فهنيئاً لنا يا باكستانيين هذا الحد الأدنى !!
لكن هل الإنتخابات تعني الديمقراطية ؟!!
هادي حسين* : كاتب وباحث باكستاني
 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.